أبي منصور الماتريدي

515

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

الحقيقة عباد إلهين ؛ لأنهم إنما كانوا يعبدون تلك الأصنام بأمر الشيطان وطاعتهم إياه ، فنسب العبادة إليه ؛ لما بأمره يعبدون هذه الأصنام والله أعلم ؛ ألا ترى أن إبراهيم قال لأبيه : يا أَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطانَ [ مريم : 44 ] وإن كان في الظاهر لا يعبد الشيطان ، لكن لما بأمره يعبد الأصنام أضاف العبادة إليه ، أو أن يكون المراد من ذكر اثنين : إنما هو على الزيادة على الواحد ، كأنه قال : لا تتخذوا ولا تعبدوا أكثر من إله واحد « 1 » . وقوله - عزّ وجل - : فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ . لا تخافون الأصنام التي تعبدونها ؛ فإنكم إن تركتم عبادتها لا تضركم . وقوله - عزّ وجل - : وَلَهُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ . أي : وله يخضع ما في السماوات والأرض وأنتم لا تخضعون ، أو ما في السماوات والأرض كلهم عبيده وإماؤه ؛ فكيف أشركتم عبيده في ألوهية الله تعالى وربوبيته ؟ وقوله - عزّ وجل - : وَلَهُ الدِّينُ واصِباً . قال بعضهم « 2 » : دائما ؛ لأن غيره من الأديان كلها يبطل ويضمحل ، ويبقى دينه في الدارين جميعا . وقال بعضهم « 3 » : وَلَهُ الدِّينُ واصِباً أي : مخلصا ، من الوصب [ والنصب ] « 4 » والتعب ، وتأويله - والله أعلم - : أي : وله دين لا يوصل إليه إلا بتعب وجهد ؛ فاجتهدوا واتعبوا ؛ لتخلصوا له الدين ؛ هذا معنى قوله : ( مخلصا ) . وقوله - عزّ وجل - : أَ فَغَيْرَ اللَّهِ تَتَّقُونَ . أي : أمخالفة غير الله تتقون ؛ أي : لا تخافوا ولكن اتقوا مخالفة [ الله لا تتقوا مخالفة ] « 5 » غيره . أو يقول : لا تخافوا غير الله ولا تتقوا سواه ، ولكن اتقوا الله واتقوا نقمته . وقوله - عزّ وجل - : وَما بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْئَرُونَ . أي : تتضرعون ؛ يخبر عن سفههم وقلة عقلهم أنهم يعلمون أن « 6 » له ما في السماوات والأرض ، وأن كل ذلك ملكه ، وأن ما لهم من النعمة منه ، وأن ما يحل بهم من البلاء

--> ( 1 ) ينظر : اللباب ( 12 / 77 ، 78 ) . ( 2 ) قاله ابن عباس أخرجه ابن جرير عنه ( 21642 ) ، وعن عكرمة ( 21643 ) ، و ( 21644 ) ، ومجاهد ( 21645 ) ، و ( 21646 ) ، وغيرهم وانظر : الدر المنثور ( 4 / 225 ) . ( 3 ) قاله مجاهد بنحو أخرجه ابن جرير عنه ( 21653 ) و ( 21654 ) . ( 4 ) سقط في أ . ( 5 ) سقط في أ . ( 6 ) في أ : أنه .